الكلمة.. رسالة الإعلام وأمانة القلم
✍️ الإعلامي عبدالله عبدالهادي بخاري
محرر صحيفة شبكة نادي الصحافة الإلكترونية – المدينة المنورة
الزمن: بعد ثلاثة أعوام من الالتحاق بدبلوم الإعلام الجديد
اليوم: الجمعة.
التاريخ: 18 محرم 1448هـ الموافق 3 يوليو 2026م.
المكان: المدينة المنورة – المملكة العربية السعودية.
المناسبة: مقال عن أثر الكلمة في الإعلام والمجتمع.
قبل ثلاثة أعوام، تشرفت بالالتحاق بدبلوم الإعلام الجديد الذي نظمته صحيفة شبكة نادي الصحافة الإلكترونية بالتعاون مع أكاديمية إيجانما التعليمية، وقد قُدمت محاضراته عن بُعد عبر تطبيق واتساب، في تجربة تعليمية أثبتت أن وسائل التقنية أصبحت جسرًا لنقل العلم والمعرفة، متى ما وجدت الرسالة الصادقة والمعلم المخلص.
وكان المحاضر الرئيس في الدبلوم الدكتور جمعة الخياط، بينما تولت الأستاذة غالية الحربي، مالكة صحيفة شبكة نادي الصحافة الإلكترونية ورئيسة أكاديمية إيجانما التعليمية، إدارة المجموعة، وكتابة المادة العلمية، ونشرها عبر تطبيق واتساب، ومتابعة الدبلوم حتى اكتملت رسالته العلمية والإعلامية.
ولم يكن أعظم ما خرجت به من ذلك الدبلوم شهادة أحملها، وإنما قيمةٌ استقرت في وجداني، وهي أهمية الكلمة. فقد رسخ في ذهني أن الإعلام لا يبدأ بالكاميرا، ولا بالميكروفون، ولا بالمنصات الرقمية، وإنما يبدأ بالكلمة، فهي أساس الخبر، وروح المقال، وجوهر التقرير، ومنطلق الحوار، وأداة التأثير في الرأي العام.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت أراجع كلماتي قبل أن أكتبها، وأزن عباراتي قبل أن أنشرها، لأن الكلمة ليست حروفًا تصاغ، بل أمانة تؤدى، ورسالة تحمل، ومسؤولية يتحملها كل إعلامي وكاتب وصاحب رأي.
لقد أولى الإسلام الكلمة مكانة عظيمة، فقال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾، فالكلمة الطيبة تبني، وتصلح، وتجمع، بينما الكلمة الخبيثة تفرق، وتفسد، وتهدم.
وفي السنة النبوية يقول رسول الله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»، ويقول ﷺ: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم». وهذان الحديثان يبينان أن الكلمة ليست أمرًا عابرًا، وإنما مسؤولية يحاسب عليها الإنسان.
وتتجلى عظمة الكلمة في أحكام الشريعة؛ فكلمة الشهادتين يدخل بها الإنسان في الإسلام، وبكلمة الإيجاب والقبول ينعقد عقد الزواج، وبكلمة الطلاق تنتهي الحياة الزوجية، مما يؤكد أن للكلمة آثارًا دينية واجتماعية وقانونية لا يستهان بها.
وفي الإعلام، تبقى الكلمة هي رأس المال الحقيقي. فالخبر يبدأ بكلمة، والمقال يقوم على كلمة، والتقرير يصاغ بكلمة، والحوار ينجح بالكلمة. وكلما كانت الكلمة صادقة، دقيقة، واضحة، وهادفة، ازداد الإعلام قوةً ومصداقيةً وتأثيرًا.
كما تعلمنا أن الإعلام ليس ساحةً للإساءة، ولا منبرًا للإشاعات، وإنما رسالة إصلاح وتوعية. فالنقد البنّاء يكشف الخلل ويقترح الحلول ويحترم الإنسان، بينما النقد الهدّام يهدم ولا يبني، ويجرح ولا يعالج، ويثير الخلاف دون أن يقدم نفعًا.
ولم تكن الكلمة يومًا منفصلة عن جمال اللغة العربية، فسلامة التعبير، وحسن اختيار الألفاظ، ودقة علامات الترقيم، كلها عناصر تمنح الكلمة قوتها، وتجعلها أكثر تأثيرًا في القارئ، لأن الفكرة العظيمة تحتاج إلى أسلوب جميل حتى تصل إلى العقول والقلوب.
واليوم، وبعد ثلاثة أعوام من ممارسة العمل الإعلامي، وكتابة المقالات، وتغطية الفعاليات، وإعداد الأخبار، أيقنت أن الإعلامي لا يُعرف بكثرة ما يكتب، وإنما بقيمة ما يكتب، وأن الكلمة الصادقة تبقى، أما الكلمة الزائفة فتسقط مهما انتشرت.
إننا نعيش في زمن أصبحت فيه الكلمة تنتقل إلى العالم في ثوانٍ عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولذلك تضاعفت مسؤولية الإعلاميين والكتاب وصناع المحتوى، لأن كلمة واحدة قد تبني وعيًا، أو تنشر علمًا، أو تحفظ وطنًا، كما أن كلمة أخرى قد تثير فتنة، أو تنشر إشاعة، أو تسيء إلى إنسان بغير حق.
ولهذا، فإن أعظم ما رسخه في نفسي دبلوم الإعلام الحديث هو أن الكلمة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل رسالة أخلاقية، وأمانة مهنية، ومسؤولية وطنية، وأن الإعلام الحقيقي يبدأ بكلمة صادقة، وينمو بكلمة مسؤولة، ويخلد أثره بكلمة نافعة.
✍️ الإعلامي عبدالله عبدالهادي بخاري
محرر صحيفة شبكة نادي الصحافة الإلكترونية – المدينة المنورة




.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)

.jpg)
.jpg)
.jpg)





.jpg)



.jpg)


































